​رحلة إلى المثلث الذهبي في الهند

​رحلة إلى المثلث الذهبي في الهند

جمال الأشياء تكمن في بساطتها، لعل هذا المثل يمكن الرجوع إليه بسهولة لدى التطرق في الحديث عن الهند وناسها، فهذا الشعب الذي عانى على مر العصور، لا يزال يدرك كيف بإمكانه الاستمتاع بالحياة كما هي وادخال البهجة لزائريه.

قد يختبر السائح لدى وصوله على أرض المطار نوعاً من الصدمة لرؤية الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها الهنود، إلا أن المتمعن بها يكتشف كم أن الهنود يحتضنون الحياة البسيطة بإخلاص لمعتقداتهم الدينية، يبذلون أقصى ما يستطيعون لمساعدة الآخر، مهما كان جنسه أو لونه أو عمره.

وخلال عيد الأضحى الماضي، أردت أن أختبر عن قرب الشعب الهندي، بالإضافة لزيارة أهم معالم البلاد.

التنقل

أكثر وسيلة تنقل منتشرة داخل المدن هي الـ”توك-توك”، عبارة عن دراجة نارية بثلاث عجلات وتستوعب شخصان (أو ثلاث) في الخلف وشخص إضافي إلى جانب السائق.

أما بالنسبة للتنقل بين المقاطعات أو بين أطراف المدينة، فإن القطارات هي الأفضل، إلا أن الازدحام الجنوني التي تشهده يكاد يكون من المستحيل حجز مكان حتى عن طريق الحشر. ولفتني في أكثر من مكان داخل العاصمة دلهي مناطق مغلقة وسط الشارع كتب عليها مترو الهند.. مترو دلهي، أظن أنه مشروع جديد يتم العمل عليه.

وبطبيعة الحال، فإن الباصات الكبيرة كانت هي الطريقة المثلى للتنقل بين المدن الثلاث التي شكلت المثلث الذهبي بين دلهي، آغرا، جيبور والتي استغرقت كل رحلة منها حوالى 4 ساعات للانتقال بينها.

دلهي – قطب مينار

_MG_4273

البداية كانت مع معلم / مجمع “مينار”، حيث شكلت هذه المنطقة في السابق مركزاً للحكم بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر ميلادي. والبارز فيه هو “قطب مينار” أو منارة قطب، وهي بين المنارات الأطول في العالم، بناها التركي قطب الدين أيبك، الذي ساهم بنشر الدين الإسلامي في شمال الهند، ويمكن رؤية النقوش العربية وأظن قرآنية أيضاً على طول المعلم.

وإلى جانب ذلك، يحوي المجمع على عامود من حديد لم تظهر آثار الصدئ عليه حتى الآن، في إشارة إلى المستوى العلمي والهندسي التي كانت عليه شعوب المنطقة في ذاك الزمان.

دلهي – معبد السيخ:

تتميز الهند بتنوع كبير في الاديان وخصوصاً غير السماوية منها، ولكن الجامع المشترك بها هو التركيز على الروح وكيفية الاهتمام بالإنسان ليعلو مرتبة في احترام الحياة.

وهذا ما اختبرته أثناء زيارة المعبد الرئيسي للديانة السيخية “غوردوارا بنجلا صاحب”، الذي ينقسم إلى عدة أجزاء، الأول منه يضم مكتب مختص بالسياح، يتم بداخله شرح كيف تقام الصلاة، ولماذا يتم السجود لكائنات بدلاً من الله، حيث يشرح أحد المختصين بأن الأمر ليس سوى شكر لله على هذه النعمة التي جاءت من خلاله، وهو ليس عبادة للكائنات نفسها.

قد يتساءل المرء، كما فعلت أنا، عن أهمية هذا الكتاب، ليتبين لي لاحقاً أن الديانة السيخية كانت تتميز سابقاً بوجود زعيم، وقام هؤلاء بكتابة تعاليمهم وأفكارهم في كتاب واحد.

وعند مجيء الزعيم العاشر، قرر الأخير أن يلغي نظام الزعامة، وجعل الكتاب هو المرجع الوحيد للتعاليم، ما أكسبه أهمية كبرى. وبسبب هذه المكانة، يمتلك الكتاب قاعة داخل البناء عبارة عن غرفة نوم، يرتاح فيها الكتاب من التاسعة مساء وحتى الرابعة فجراً.

أما الجانب الأروع، والاكثر انسانية، هو المطبخ الاجتماعي، التابع للمعبد، حيث يتبرع أبناء الديانة، البالغ عددهم قرابة 27 مليون، بالمواد الأولية لصنع الخبز والطبخ من أجل اطعام حوالى 10000 شخص يومياً، يجلسون سوياً داخل إحدى القاعات إلى جانب المطبخ.

آغرا – تاج محل:
لا يمكن لأي شخص أن يفكر بالهند من دون ذكر المعلم السياحي الأشهر، ألا وهو تاج محل في مدينة آغرا، الذي يعتبر من أكثر الرموز رومانسية في العالم، حينما اتخذ الإمبراطور المغولي الإسلامي شاه جهان قرار بنائه في القرن السابع عشر ليضم رفاة زوجته ممتاز محل بعد عامان على وفاتها، التي يقال إنها كانت المحببة إليه بين زوجاته الثلاث.

ومن الأمور المهمة التي يجب ذكرها لكل مهتم بزيارة المعلم، ضرورة عدم اصطحاب أي شيء معهم سوى هاتف وكاميرا. وأعني بأي شيء: عصا السيلفي، ترايبود للكاميرا، أدوات تجميل، كريم، أقلام، أي شيء ذات أطراف حادة، كتب، بطاريات (سوى تلك داخل الكاميرا أو في الهاتف).

أول ما ينبهر به المرء أثناء الاقتراب من تاج محل هو “بوابة الجنة”، المؤدية إلى حدائق الجنة أمام تاج محل. تلك البوابة العريقة التي تعكس التفاني في البناء والإخلاص في الحب، لا سيما مع كتابة بعض الآيات القرآنية عليها لإضفاء “اللمسة الإلهية”.

ومع عبور البوابة، يظهر تاج محل في لحظة تخطف الانفاس، متألقاً باللون الأبيض، مرتفعاً أمام نهر يمنا الشهير.

ولا تقف جمالية هندسة المبنى عند الخارج فقط، فالداخل يمتاز بسحره الخاص، يظهر من خلال العمل على جعل ضريح الأميرة ممتاز يتوسط قلب المعلم، ويرتاح بين مجاري لماء الورد العطرة تنطلق من “حدائق الجنة”  في الخارج وتعود لتصب في نهاية المطاف في النهر، لا يوجد صور من الداخل لأن التصوير ممنوع.

آغرا – القلعة الحمراء:

ومع زيارة تاج محل، لا بد من زيارة “القلعة الحمراء” التي تقع على الضفة المقابلة لنهر يمنا، والتي ساهم في بناها الإمبراطور المغولي شاه جهان كعاصمة للمغول.

ولكن بعد انقلاب على الحكم تم عبر أحد أبنائه، تحول جزء من القلعة إلى مكان للإقامة الجبرية لجهان، حيث توفي بعد ست سنوات من سجنه فيما كان يشاهد من نوافذ غرفته تاج محل يتم بنائه. وتم دفنه لاحقاً إلى جانب ضريح الأميرة ممتاز داخل تاج محل.

جيبور – قلعة عنبر:

في اليوم الأخير لرحلتي، قمت بزيارة مدينة جيبور في محافظة راجستان القريبة من الحدود الباكستانية حيث تتربع على إحدى تلالها قلعة عنبر الساحرة التي يمتزج فيها جمال العمار الهندوسي مع المغولي.

وعند الوصول إلى مدخل القلعة، تستقبلك الفيلة من أجل الركوب على ظهرها للصعود إلى باب القلعة الرئيسي، حيث يمكن من منتصف الطريق إلى الأعلى رؤية جمال هذه المنطقة المسيجة بسور حجري أحمر كبير يشبه إلى حد ما سور الصين.

إلى جانب التحذيرات العديدة الموضوعة في خارج وداخل القلعة بشأن عدم إعطاء البقشيش لأي من العاملين أو البائعين، فإن القلعة تم تشييدها بالحجر الرملي والرخام الأبيض.

وتنقسم القلعة إلى أربعة مستويات ولكل منها باحة واسعة، لعل أجملها هو “شيش محل” أو “قصر المرايا” وهي باحة تم تشييدها باستعمال قطع من المرايا تضفي طابعاً سحرياً على المكان.

جيبور – جال محل (القصر المائي):

عند الخروج من قلعة العنبر، تسحرك على الجهة اليسرى بحيرة واسعة تتوسطها قلعة تدعى “جال محل” أو القصر المائي، الذي بناه المهراجا جاي سينغ. وبحسب بعض الأشخاص اللذين التقيت بهم هناك، فإن هذا القصر لا يمكن الوصول إليه سوى عبر المراكب الصغيرة، وهو الآن مغلق أمام العامة، وغالباً ما يتم إيجاره للمناسبات أو الاحتفالات والأعراس.

وبحسب ما يقال، فإن المهراجا بنى القلعة كمقر صيفي له ولعائلته في 1799، ومن ثم وضع بعض من السدود لإنشاء هذه البحيرة الرائعة في وسط وادي جيبور.

جيبور – جنتر منتر (المرصد الفلكي) :

بالعودة إلى وسط المدينة، تتميز منطقة جيبور بمرصد فلكي مميز بني في بدايات 1700 من الرخام والحجارة، ويحوي على أدوات فلكية ضخمة لدراسة حركة الشمس والقمر والنجوم، من بينها أكبر ساعة شمسية على الإطلاق، أما تعبير جنتر منتر فيمكن ترجمته بـ”آلة الحساب”.

جيبور – قصر المهراجا:

وإلى جانب السحر الكامن في العمارة وحب علوم الفلك، تتخذ عائلة المهراجا من مدينة جيبور مقراً لهم في “تشاندرا محل”، وهو قصر المدينة الذي تحول أغلبه اليوم إلى متحفاً يضم صوراً للحقبات والقادة التي مرت على المهراجا إلى جانب اندماج جميل لأنواع عدة من الهندسة المعمارية في الداخل. يمنع التصوير في الداخل.

جيبور – أسواق المدينة الزهرية:

وأثناء الخروج من قصر المهراجا، يمكن المرور في الأسواق التقليدية في المدينة، والتي تكتسب شهرتها باسم “المدينة الزهرية” نسباً إلى لون الحجز الزهري الذي تم استخدامه في تزيين المباني.

وتتغنى الأسواق بالمنتوجات الحرفية والأسواق التقليدية التي يمكن شرائها للحاجات اليومية من طعام وملبس وإلكترونيات وغيرها من المنتوجات لا سيما البهار.

ملاحظات أخيرة:

_MG_4286

  • الإنترنت ليس متواجداً في كل مكان وهو بطيء إن وجد.
  • يمكن زيارة معالم تلك المدن المذكورة من دون الحجز المسبق.
  • يجب الإنتباه دائماً إلى البائعين المتجولين وأسعارهم العالية جداً.
  • الصور الفورية من الشارع لا تكلف أكثر من 50 روبيز.
  • يمكن التعامل مع السكان بسهولة كاملة باللغة الإنكليزية.
  • الجميع معتاد على السائحين وغالباً ما سيطلبون التقاط الصور معكم.
  • آلات الصرف الآلي للأموال “آي تي أم” عددها قليل، خصوصاً تلك باللغة الإنكليزية.
  • زجاجات المياه غالباً ما يتم إعادة تعبئتها، لذا يجب دائماً طلب زجاجات جديدة.
  • يفضل عدم التركيز بالطريقة التي تتم فيها قيادة المركبات بسبب جنون السائقين.
  • ساعة الإنترنت الواحدة في الفندق 170 روبيز.
  • مجموع ما صرفته أثناء اقامتي يقارب 250 $.
اخر المقالات
التعليقات ( 2 )
  1. محمد كريم
    أكتوبر 1, 2015 at 1:09 م
    رد

    مقال رائع وتقرير شيق حول بعض معالم الهند السياحية والاجتماعية. شكراً وبانتظار المزيد

    • غزيّل
      غزيّل
      أكتوبر 1, 2015 at 1:37 م
      رد

      شكراً محمد

‎اضف رد