الغريبة والأرجوحة

في عالم تأكله الأحداث الروتينية، تقف مكابح العقل عاجزة عن تدهور مستوى التوقعات بأن تحصل مفاجأة من شأنها أن تغير من مسار الحياة اليومية.

إلا أن جانباً واحداً تعوّدت عليه ولم أعره اهتماماً، يكمن في حياء فتاة أكاد ألتقيها بشكل يومي.

ربما أجنح بتوصيفها بـ”الفتاة” على الرغم من أنها امرأة، بل زوجة أحدهم، من أحد المنازل القريبة من سكني.

أغلب لقاءاتنا هي عابرة، أستدرك الآن أنني لم أسمع صوتها قط، على الرغم من إدلاء التحية لها، في كل مرة أمر بجانبها أو بجانب ابنتها الصغيرة.

ابنتها التي باتت تألف شكلي المتعب، عند عودتي من نوبات العمل المتقلبة يوماً بعد يوم، أو عندما أحاول أن أكون بقمة نشاطي مع ركوبي دراجتي الهوائية، هذه الدراجة التي غالباً ما أصعد عليها تنفيساً لروحي التعبة أو لمجرد محاولة إدخال الهواء إلى صدري المهترئ من غازات المكيفات.

لم أرد يوماً التفاعل مع الغرباء، بخاصة أنني في أغلب الأحيان أحاول حتى التملص من التفاعل مع المعارف، إلا أن الصدف تدفعني إلى لمحها بين الفينة والأخرى.

تمر لحظات وقلبي يسائل عقلي، ترى لماذا تفضل البقاء خارج منزلها في أغلب الأوقات؟ أين يذهب بعلها في أغلب ساعات اليوم ويتركها مع الفتاة الصغيرة لوحدهما؟

قد تخطر العديد من الأسئلة عن الوضع الزوجي الذي يلف بتلك العائلة، إلا أن الحياء الذي تعكسه هذه الامرأة اليانعة، لا بد أن يظهر بأن التعامل مع الآخرين، لاسيما مع الغرباء، ليس من نقاط القوة الخاصة بها.

وفيما تستمر الشمس بالشروق والغروب من دون أي توقف، أشعر بأن عقلي يتسمر أمام مشهد ظهورها مع ابنتها، تلهوان وحدهما أمام الشارع المحاذي لمسكني حيث أعيش وحدي.

ولعل الأرجوحة الصغيرة المعلقة على الشجرة في آخر الطريق، هي مصدر الهروب التي تراه مناسباً عندما ينسدل الظلام، نقطة هروب قريبة من منزلها وبنفس الوقت نقطة بعيدة عن ما يحصل بداخله أو ربما بعيدة عن ما تطوق إليه.

لمحتها اليوم بالقرب من الشجرة، تأرجها غير الهادئ جعلني أركز على وجهها المضيء بفعل شاشة الهاتف الذي بين أيديها، تبتسم مع أصوات نقرات الأحرف التي يصدرها الهاتف، هناك أحدهم يشعرها بالدفء.

هذا ما يجعلني أدرك، أنه يجدر بي عدم التوقف بشكل مريب بجانبها، وعلي إكمال سيري، فكما وجدت هي سبباً للابتسام عبر الشاشة الحقيرة، أدرك مسبقاً أن هناك مصدراً لسعادتي ينتظرني خلف شاشتي الحقيرة الخاصة بي لإنعاش الروح الهامدة بداخلي.

2 Comments

  1. غزيّل October 24, 2018 at 3:05 pm

    كتير معقول. كنت موجودة وأكيد لاحظتي

Leave a Reply

%d bloggers like this: